المشاهدات : 4472
22:11- 28-10-2020

ميشال أونفري: فرنسا لم تترك لمواطنيها أي فرصة لكي يحبّوها!

البلاد.نت -أسماء كوار - حين فكرت في محاورة ميشال أونفري في فبراير 2015، أردت أن أمد جسرا لمعرفة كيف يفكر الآخر غير مسلم بما يحيط بنا من نكسات وانكسارات. أردت أن أبدد بعض الجدل الدائر حول الإسلام كدين وليس كتراث وصل إلينا في حِلي متعددة العباءات. فكان أن كلمت أونفري، فرد في بداية الأمر مستفسرا عن أتعابه، استغربت حينها وارسلت له رسالة مطولة أشرح من خلالها الهدف من الحوار واهتمام القارىء العربي بما سيقوله الفيلسوف المثير للجدل في الأوساط الغربية.

رد أونفري على رسالتي، معتذرا لسوء الفهم وقبل الحوار. وبعد إطلاعه على الأسئلة الأولى، اتصل بي طالبا أن نوسع دائرة الحوار وأن نستطرد في النقاش كلما استدعى الأمر ذلك. واقترح علي أونفري أن نحول بعض النقاش إلى كتاب مشترك ينشر لاحقا  مع دار النشر الفرنسية غراسييه، وكان ذلك بالفعل. اخترنا بعض ما أثرناه في الحوار الذي دار بيننا ونشر في كتاب بعنوان "التفكير في الإسلام".

احتفظت أنا ببعض ما أثاره أونفري، على أن أنشره لاحقا في كتاب بالعربية والفرنسية، إلا أنني وجدت أن الوقت اليوم يقتضي نشر ما تبقى من حوار أونفري، الفيلسوف الذي لا يعترف بالأديان ولكنه يدافع بشراسة عن المسلمين في المنابر الإعلامية الفرنسية والأجنبية.

تمكن أونفري من أن يصنع لنفسه مكانة في فرنسا وخارجها واستقطابه للشعب، حتى لقب ـ"بمحبوب الشعب"مؤسسًا لأفكار فلسفية جديدة، يواصل من خلالها عرضه للأديان وما تحتويه نصوصها، مشيراعلى أنه يجب على كل فرنسي مسلم أن يحدد العيش وفق إسلام علماني وجمهوري ومؤكدا أن الإسلاموفوبيا الحقيقية، حسب منظوره، ليست في استعراض عمليات إرهابية من قبل شباب لون بشرتهم سمراء ويدينون بالإسلام. ولكن الإسلاموفوبيا هي في ذلك القصف المتكرر لمسلمين أبرياء،عّزل في العراق وليبيا وسوريا وأفغانستان ومالي وفي أماكن أخرى من قبل القوى الغربية بحجة أنهم يهددون أمنهم.

 

حاورته:  أسماء كوار / باريس

 

 

بعض القرارات أصبحت تتكرر في فرنسا وتخلق توترا يعصف بفكرة التعايش والتسامح والحريات التي  تنادي بها الجمهورية... هل فكرة الإندماج لم تعد صالحة ضمن قوانين الجمهورية والعلمانية، أم أن فرنسا تخلت منذ زمن عن فكرة الحريات ؟

 

بالطبع،فرنسا لم تغرس فينا حبها،لابالنسبة للذين ولدوا على ترابها ولاأولئك الذين قدموا إليها من بلدان أخرى لاحقا،ولاأولئك الذين ولدوا على أرضها من أباء وأجداد هاجروا إليها قبل جيلين أو ثلاثة أجيال.

منذعام1983 توقف اليسارعلى يساريته،ليصبح ليبراليًا وأوروبيًا،وصنع من إنسان وصولي مثل برنارد تابي،نموذجًا للنجاح الاجتماعي وكافؤه بمنصب وزير،ومنذ أن نصبت صحيفة Liberation نفسها لسان حال هذا اليسار،وعملت بطريقة فاحشة وبشكل رهيب على ترسيخ فكرة"العيش في أزمة دائمة"،أصبح اليمين واليسار الليبرالي يقودان سياسة اقتصادية مماثلة. 

فرنسا لم تسوق لصورة جميلة ومسالمة لكي تجعلنا نقع في عشقها وحبها.

أنا اليوم أتفهم الذين لايحبون فرنسا،لأنني أنا أيضا لاأحب فرنسا التي يسوقون لها ويرفعون صورتها.. أتفهم أولئك الشباب الذين يغادرون فرنسا من أجل حياة يعتبرونها مغامرة ومثالية،والتزام وعمل.  لأن الجمهورية اليوم لمتع دقادرة على تقديم المغامرة. لم تعد قادرةعلى تقديم المثل العليا .

استهداف المسلمين في فرنسا هو الاعتراف بإستحالة التعايش والتأكييد  على رفض الدين الإسلامي، كباقي الأديان الموجودة بفرنسا...ألا تعتقد أن المسلمون واقعون اليوم تحت عنف الإسلاموفوبيا المؤسساتية؟

لنكن صرحاء .... المسلمون غير متحدين، مشتتين، غير ممثلين تمثيلا قويا، لا يتكلمون بصوت واحد. ينبغى إعادة النظر في مسألة صوت الأمة ومن يمثلها. لذلك هم يخضعون للممارسات غير أخلاقية ولا تمت بصلة بواقع الجمهورية ومبادئها. 

لا يمكننا الآن البحث عن أسباب ما حدث أوالتذكير بالذين قرعوا أجراس خطر ما نعيشه اليوم  قبل سنوات، ولكن علينا أن ننبه أن الذين اعتلوا المناصب من سياسي اليمين  المتظرف واليسار االليبرالي، أصبحوا يتقاسمون السلطة، وهم نفسهم الذين خلقوا فرنسا البؤس والتمييز والعنصرية والفقر والبطالة والأمية واللاثقافة .

هؤلاء السياسيون الذين رسموا لفرنسا الأمس واليوم، احتفلوا بمعتقد المال وبنجاحهم في سياساتهم، وداسوا على القيم الروحية والأخلاق. هؤلاء هم نفسهم الذين انتهجوا سياسة الإسلاموفوبيا وراحوا يقصفون ويقتلون المسلمين على أراضيهم، سواء في العراق أو في  أفريقيا (ليبيا ومالي) .

الخوف من الإسلام ووصفه بديانة العنف  وتوصيف المسلم الذي يعيش في فرنسا  بالارهابي،  أمر خطير سنجني توابعه لسنوات. مع هذه الزمرة من الحكام، أصبحنا نسبح في فلك الارتباك الذي هو عدو القرارات الصائبة والتحليل الدقيق أو التفكير المجرد من أي عاطفة أو تمييز. للأسف هذا الهذيان المنمط والعرقي يفرض قانونه اليوم  في فرنسا.

 

هل يمكننا استغلال الدين للوصول لأغراض سياسية، كالقول بأن الدين الإسلامي يعارض العلمانية في عقر دارها، وهذا ما يحاول خصوم الإسلام الظهور به على القنوات التلفزيونية؟

 

سيدتي، هناك إسلام كوني موحد، وليس إسلام دولة يختلف عن دولة أخري. فعلى  الرغم من تنوع البلدان، والتشرذم في جميع القارات، وتعدد اللغات، والاختلاف في ألوان البشرة، على الرغم من خلاف الأشقاء في كل مكان، وعلى الرغم من الفوارق الاجتماعية، إلا أن هناك مجتمعًا مسلما  يبقى مع وجود كل هذه المشاكل موحدا ومتحدا على مسألة النص القرآني المقدس.

بالنسبة لفرنسا، لامست كيف أن العديد من المسلمين الذين يعيشون في فرنسا تبرأوا منها، حيث أصبح المسلم منبوذا، فقط لأنه مسلم . لا يمكن استخدام الإسلام كذريعة للعنصرية وتفشي الكراهية بين المواظنين الفرنسيين الذين يعيشون تحت سقف قوانين الجمهورية. لا يمكن استخدام الدين ضد المسلمين ،فقط من أجل رفع شعبية مسؤول لأنه يفكر في اعتلاء كرسي الرئاسة... على القرارات أن تصب في مصلحة الدولة التي تقول أنها جمهورية وتراعي قوانين حماية الحريات والمعتقدات ،،، وعلى الدولة إبراز  مكانة المسلم  في دولة تسيرها قوانين الجمهورية.

 

مثل هذه الممارسات التي انتشرت اليوم، في دولة علمانية، و في هذا الوقت بالذات، ألا تعتبر عنفًا مشبوهًا ضد أي مواطن فرنسي مسلم؟

 

يوجد في فرنسا موقف مبدئي يتجاهل الواقع وموقف براغماتي يتجاهل المبادئ. الأول يدافع عن العلمانية كما لو كانت دينًا، وهي معتقد العلمانية المؤساساتية، وهذا هو الذين تتحدثين عنه. حيث أن القانون معنوي ، وهو محفور على الرخام، يحترمه الجميع، ولكن الواقع ,هو الحقيقة لا يطبق هذا  المبدأ ولا يجسده على أرض الواقع.

الموقف الثاني هو ذلك الذي يؤسس الإسلام لجعله دين المظلومين في رأس المال. لذلك، يؤيد  هذا الإسلام المثالي بعض اليساريين لأنه يقدم منظورًا ثوريًا هائلاً لإسقاط العالم الرأسمالي.

ومع ذلك ، فأنا لا أؤيد أياً من هذين الموقفين، لأن كليهما يتجاهل الواقع. فمن ناحية، هناك مجتمع مسلم يحتاج، وهذا من حقه، إلى ممارسة دينه بكرامة. من ناحية أخرى، يوجد في الإسلام أقلية ولكنها جزء نشط يريد بالطبع وضع حد للرأسمالية ( ...) ، ولكنه يريد أيضًا وضع حد لقيم الجمهورية: الحرية والمساواة والأخوة ، والعلمانية،  والنسوية.

وأعتقد أن هذا التأرجح هو الذي يفكك ما وصلت إليه فرنسا اليوم...

 

هل تعني أن غياب أخلاقيات المسؤولية هي وراء تقهقر الحريات في فرنسا...؟

 

نعم... نحن بحاجة إلى أخلاقيات اقتناع مصحوبة بأخلاقيات المسؤولية. غض الطرف عن ادعاءات الإسلام لن يحد من انتشارها. وغض الطرف عن خطر إسلام معين، أيضا لن يقضي على ذلك الخطر ...

سأستعين هنا بصيغة برجسون:  "علينا أن نفكر كرجل ينفذ ونتصرف كرجل مفكر "وهذا فعلا ما يجب أن نفعله...

علينا  إيجاد  عقد اجتماعي مع الإسلام في فرنسا حتى يكون هناك إسلام فرنسا. يجب أن يأخذ هذا الإسلام ما ورد في القرآن ، في أحاديث الرسول ، في سيرة محمد ، في الإسلام ، في تاريخ المسلمين ما يتوافق بوضوح مع قيم الجمهورية التي ذكرتها آنفا. إذا كان هذا هو الحال (فإنه يفترض التخلي عن ما يبرر الكراهية وإراقة الدم باسم الإسلام ...). وهنا  فإن الجمهورية تقدم ما يجب أن تقدمه: فهي تدرب الأئمة وتدفع لهم. وتشرف على الخطب حتى يحترم فيها قيم الجمهورية وتمول أماكن الصلاة وتضمن حماية المسلمين.

 هذا التمويل الجمهوري سيمنع التمويل الطائفي من الدول التي تدفع ولكن في نفس الوقت تنصب أئمتها الذين يلقون خطب تحرض على الكره.

المعروف  أن الإسلام في فرنسا يتم تمويله من قبل دول ليس لديها أي  مصلحة في  الدخول في علاقة "حب"مع فرنسا. والتمويل الجمهوري سيدفع المجتمع المسلم على جعل الجمهورية محببة لديه وجعل الجمهورية تتصالح مع إسلام جعل نفسه مرغوبًا أيضًا.

هناك "احتقان"في الفهم العلماني لفكرة التعايش لدى المسؤول الفرنسي الذي أصبحت قرارته تهدد  المنظومة الاجتماعية في فرنسا،،، هل القرار الرسمي يحصر أسس الجمهورية في ما يعتقده المسؤول بأن الإسلام هو دين متأزم؟

دعيني أوضح أولا  بأن العلمانية هي مفهوم حي وليست عقيدة ميتة، وبالتالي يجب التفكير فيها بطريقة سياقية. هناك حقائق لا يمكننا فعل أي شيء حيالها وعلى كل مسؤول أن يقبل مرغما بأنه يقع تحت قانون الجمهورية: هناك جالية مسلمة كبيرة في فرنسا. وليس هناك أدنى شك، أن هذه الجالية مندمجة مع قوانين الجمهورية، وليس هناك مبررا للإساءة أو التقليل من وطنية هؤلاء أو تسليط عقوبات عليهم بحجة  أنهم أساؤا للجمهورية ، ومن ثمة إخضاع أشخاص للترحيل إلى موطنهم الأصلي وهم في الحقيقة موجودين في وطنهم الأصلي الذي هو فرنسا.  

إما لأنهم ولدوا هنا ، أو لأن أبائهم وُلِدوا في فرنسا ، أو لأنهم ، بعد أن قدموا إلي فرنسا واندمجوا في الحياة بشكل عادي ويتقنون الفرنسية أكثر من الفرنسيين أنفسهم. أنا أعارض أي سياسة طرد، لأنها لا تختلف عن سياسات الطرد والنفي التي تمارسها الأنظمة الشمولية.

لذلك يجب أن نتعامل مع الواقع. وواقعنا يقول أن هناك أن  ملايين من المسلمين يعيشون في فرنسا. فإذا كنا بحق منظرين لقيم العلمانية، فإنه علينا أن نطبق حقيقة ذلك ونقطع الطريق أمام  تمويل الطوائف في بعض الدول الأجنبية التي سيكون لها مصلحة في جعل الإسلام دين قتال ومواجهة ضد الغرب. علينا احتواء الإسلام بقيم الجمهورية وإعطاء المسلمين حقهم في العيش الكريم وممارسة معتقدهم دون ضرر ولا ضرار.

أخر الأخبار
العودة للاعلى